الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

165

شرح ديوان ابن الفارض

« ويكن » تامة أي ولم يوجد بعاد . و « الفاء » في قوله فذاك الهجر عندي رابطة للجواب بالشرط وهو ضمير الفعل ، وهو لتأكيد الهجر المستفاد من تعريف الطرفين ، أي ذلك هو الأصل لا غير قطعا . والإتيان باسم الإشارة للبعيد مع قرب ذكره تعظيما للهجر عند المعنف لكونه مطلوبا له بسبب كونه حاصلا في القرب . وفي البيت الطباق من ذكر الهجر والوصل . ( ن ) : المعنى بالهجر هنا ترك المناجاة الإلهية في السر وعدم الاعتناء من الرب تعالى بالعبد بعدم الحفظ له من طوارق الأمور المزعجة وتأخير الإجابة له في الدعاء . والضمير في منكم للأحبة المذكورين . وقوله ولم يكن بعاد ، حيث كان الهجر للتأديب وحثا على التوبة والأوبة فما هو هجر في المعنى ولا هو إعراض بل هو إقبال وطلب ومزيد اعتناء بالعبد ما لم يكن ذلك الهجر إبعادا وطردا . اه . وما الصّدّ إلّا الودّ ما لم يكن قلى وأصعب شيء غير إعراضكم سهل [ الاعراب والمعنى ] « وما الصدّ إلا الودّ » أي ليس الصدّ شيئا غير الودّ والمحبة إذا لم يكن صادرا عن قلى وبغض ، فإن الصدّ إذا كان عن الدلال دون الملال فهو من مطالب المحبين ومن مقصاد العاشقين . وما ألطف قول القائل : ويدل هجركم على * أني خطرت ببالكم وقال أبو تمام : وخلصني من غمرة الموت أنه * صدود دلال لا صدود ملال وقد أجمع أهل المحبة على أن إعراض الحبيب إذا لم يكن صادرا عن غيظ وبغض كان مقاربا للوصال ، ومقارنا لانتظام الأحوال . واعلم أن قلى في البيت خبر يكن واسمها ضمير يعود إلى الصدّ . أي ما لم يكن ذلك الصدّ قلى ، ويجوز أن يكون قلى فاعل يكن على أنها تامة . أي ما لم يوجد من الحبيب قلى وبغض . « وأصعب » مبتدأ مضاف إلى شيء . و « غير » يجوز فيها الجرّ والنصب على الصفة أو الحالية . و « سهل » خبر المبتدأ أي وأصعب الأشياء منكم ما لم يكن ذلك الشيء إعراضا منكم فإنه سهل . فالقلا عين البلا والإعراض سبب لشدّة الأمراض ، وإلا فالصدّ مع الودّ سهل ولا بد . كلهم يطلبون وصلا وقربا * ومرادي من الزمان رضاكا